محمد المقداد الورتتاني

319

البرنس في باريس

4 . وما قررته الحكومة في سني الجدب من جلب الحبوب وتوزيعها على الأهالي سلفا للقادرين على الوفاء وصدقة على الفقراء من أحسن التدابير لإحياء النفوس ودفع المجاعة ، التي تعقبها غالبا الأمراض الوبائية لاستعداد الأبدان الهزيلة لقبول طلائع جيش الأمراض بسهولة ، لفقدها سلاح الغذاء الكافي الذي تقاوم به هجمات الطبيعة - والأمراض المريعة والعدوي السريعة . ولهذا قلت للباحثين على هذا الغرض إن عمران المملكة وعدد السكان أخذا في النمو بعد جيل من الدور الجديد للمملكة للأسباب التي قدمناها ، وربما ظهر النمو ظهورا بينها في الجيل الثاني ومتى تمت غراسة الزيتون وبالأخص في فسيح أراضي الجنوب الصالحة له نمى عدد السكان . وضروري أن ثروة الأرض وانتشار الأمن من أسباب وفرة العمران ، وارتفاع إحصائيات الإنسان ، وكثرة الحيوان ، وأيام العدل يتوفر فيها عدد السكان . وتنتظم الإدارة وتتولد الحضارة وتحترم الشرائع وتكثر الصنائع ، وتزهر العلوم وتنبت من الأمة الرجال الأكفياء في كل طبقة وجيل . وتستدر الخيرات كما يقبل الناس على الأشغال ، وإتقان الأعمال ، ويبرع أصحاب الفنون وتظهر ثمرات الفكر ونتائج العمل فتؤلف الكتب وتعم الثروة . والدولة هي السياج لهذا البستان الزاهر والعمران الزاخر . لهذا يعلو كعب الدولة بمثل هذا وينساق لها من الثروة العامة في الأمة الغنى . ويكون لها من الرجال الأكفياء في السيف والقلم الغنى . وهذا ما أخذت فيه المملكة التونسية في عصر الحماية ، فبعد أن كانت ميزانية دخل الدولة سبعة ملايين على عهد دولة أحمد باي في الربع الثالث من القرن 13 المنصرم ، وبلغت في دولة الصادق باي في أواخر القرن المذكور أحد عشر مليونا ، صارت اليوم خمسة وثمانين مليونا على ما ضبطه واسع الاطلاع المؤرخ سيدي محمد بن الخوجة في بعض الرحلات الدولية ، وذلك في دولة أميرنا كريم الشيم وواسع الكرم ، مجل أهل العلم والمرموق بعين الرفعة بين الأمم ، سيدنا محمد الناصر باي . فالله مولانا يسعد الأمة بطلعته ويؤيد في الصالح العام رجال دولته . وعسى أن يزداد العمران وثروة السكان بالنعمة العظمى التي منت بها الدولة على الأهالي ، وهي منحهم إنزال أراضي الأوقاف العامة والخاصة التي بها منازلهم ومستقرهم أبا عن جد ، بمقدار زهيد وبدون إشهار أو مشاركة من ليس له حق معهم